محمد بن جرير الطبري

67

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

فاتهمه من بعد حرس وحقبه * وقد هره أهل المشارق والغرب وظن سنمار به كل حبره * وفاز لديه بالمودة والقرب فقال اقذفوا بالعلج من فوق برجه * فهذا لعمر الله من أعجب الخطب وما كان لي عند ابن جفنه فاعلموا * من الذنب ما آلى يمينا على كلب ليلتمسن بالخيل عقر بلادهم * تحلل أبيت اللعن من قولك المزبى ودون الذي منى ابن جفنه نفسه * رجال يردون الظلوم عن الشعب وقد رامنا من قبلك المرء حارث * فغودر مسلولا لدى الاكم الصهب قال هشام : وكان النعمان هذا قد غزا الشام مرارا ، وأكثر المصائب في أهلها ، وسبى وغنم ، وكان من أشد الملوك نكاية في عدوه ، وابعدهم مغارا فيهم ، وكان ملك فارس جعل معه كتيبتين : يقال لإحداهما : دوسر ، وهي لتنوخ ، وللأخرى : الشهباء ، وهي لفارس ، وهما اللتان يقال لهما : القبيلتان ، فكان يغزو بهما بلاد الشام ومن لم يدن له من العرب . قال : فذكر لنا - والله اعلم - انه جلس يوما في مجلسه من الخورنق ، فأشرف منه على النجف وما يليه من البساتين والنخل والجنان والأنهار مما يلي المغرب ، وعلى الفرات مما يلي المشرق ، وهو على متن النجف ، في يوم من أيام الربيع ، فأعجبه ما رأى من الخضرة والنور والأنهار ، فقال لوزيره وصاحبه : هل رايت مثل هذا المنظر قط ! فقال : لا ، لو كان يدوم ! قال : فما الذي يدوم ؟ قال : ما عند الله في الآخرة ، قال : فبم ينال ذاك ؟ قال : بتركك الدنيا وعباده الله والتماس ما عنده ، فترك ملكه من ليلته ولبس المسوح ، وخرج مستخفيا هاربا لا يعلم به ، وأصبح الناس لا يعلمون بحاله ، فحضروا بابه ، فلم يؤذن لهم عليه كما كان يفعل ، فلما أبطأ الاذن عليهم ، سألوا عنه فلم يجدوه ، وفي ذلك يقول عدى بن زيد العبادي :